نخبة من الأكاديميين

863

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

بحلم الخليفة المأمون الذي يقال أن أرسطو جاءه في منامه وأمره أن يعمل على نقل الإرث الفلسفي الهلليني إلى العربية . هذه القصة تهدف بالتأكيد إلى التعبير عن قرار سياسي تم اتخاذه على مستوى السلطة العليا في الدولة العباسية ، وقضى بتشجيع العلم بكل أشكاله . ولم تتأخر نتائج ذلك في الظهور . فبعد إرسال العديد من البعثات للبحث عن المخطوطات والترجمة والدراسة ، التي يقدم " الفهرست " لابن النديم صورة عنها ، تم استيعاب التراث اليوناني في غضون عدة عقود . فقد توفرت خلال أقل من قرن كتابات أرسطو وشارحيه الإسكندريين من مدرسة آمونيوس ، وماورائيات بروقلوس الأفلاطونية المحدثة ، وقسم كبير من تاسوعات أفلوطين . ولكن كيف كانت صورة الماورائيات في هذا النظام التوليفي ؟ لا جدال في أنها لم تكن ، إلا بشكل جزئي ، ماورائيات المشائين القويمة ( الأرثوذوكسية ) في الفترة الرومانية ( آلكسندر الأفروديزي ) ، التي كانت قد تركت مكان اللاهوت شاغراً . فقد كانت ، بالأحرى ، نظرية في الفيض الأفلاطوني المحدث بوجه خاص . فالفكرة كانت على وجه الإجمال كما يلي : الأرسطية التي كانت ملتبسة بطبيعيات أرسطو ، كانت عقيدة ذات مسار تراجعي بشكل أساسي ، أي أنها تنطلق من الظواهر المحسوسة لترتقي ، مروراً بسلسلة من الوسائط ، إلى علتها النهائية ، أي المحرك الأول الذي نُظر إليه على أنه الله . غير أن المشروع الفلسفي لم يكن ، بوجه ما ، قد تحقق في تلك المرحلة إلا إلى النصف . كان ينبغي عبور نظام الواقع بالاتجاه الآخر ، أي من الله إلى المحسوس . ولم تكن مجموعة النصوص المتمثلة بكتابات أرسطو قد تضمنت القيام بهذا العبور الذي تكفلت به بعض النصوص الأفلاطونية المحدثة من خلال تراث بروقلوس . وعلى ذلك ، يكون كل شيء أصبح جاهزاً للمواجهة الكبرى في الفلسفة الإسلامية ، وهي المواجهة التي ستحدد هيئة الفلسفة الكلاسيكية : إنها المواجهة بين نظام لله ذي الإرادة ونظام آخر للنظام الطبيعي " الأعمى " . ومن البديهي أن هذا التعارض لم يكن كاملًا وشاملًا وأن العديد من أوجه الكوزمولوجيا النمطية الجديدة كانت مشتركة بين المدرستين اللتين ستشهدان تأثيرات متبادلة . ومهما يكن من أمر ، فإن الظاهرة التاريخية لم تخف على أصحاب التفكير الثاقب في تلك المرحلة . أربعة معادون لأرسطو : الكندي ، ثابت بن قرة ، أبو بكر الرازي ، الفارابي نقع في خطأ مزدوج إذا فسرنا تاريخ الفلسفة العربية على أنه تاريخ للشروحات المقدمة عن أرسطو . خطأ واقعي أولًا ، لأن الفلاسفة العرب لم يتصدوا إلا قليلًا لشرح أرسطو وبشكل أقل بما لا يقاس مما فعله سابقوهم في الفترة المتأخرة من العصر القديم . وخطأ في الرؤية ثانياً ، لأننا لا نجد بين أولئك الفلاسفة غير عدد قليل من المشائين الحقيقيين . لقد وصل أرسطو متأخراً إلى الفلسفة العربية ، ولنجرؤ على القول أن وصوله كان في غير وقته . أول من نعرفه من الشارحين العرب لأرسطو هو الفارابي الذي عاش في النصف الأول من القرن